وزير العدل ومنهجية "التطفيش"
بقلم الشيخ / عبدالله التميمي
كنت كتبت هذه الكلمات من أشهر مضت، وكنت أقدم رجلاً وأؤخر أخرى، وظننت أن
معاليه قد عاد لرشده وأفاق من سكرة منصبه ووهج إعلامٍ سُخّر له للتلميع
والتلفيق والتدليس…فآثرت عدم نشره.
فالمقصود قد حصل وهو صلاح المسؤول ولا مقصد لنا سواه.
فالمقصود قد حصل وهو صلاح المسؤول ولا مقصد لنا سواه.
إلا
أن الظن قد خاب، والأمل قد انقطع من أوبة معاليه-إلا أن تتداركه رحمة من
ربه-…مع إعلام يقتات على الكذب والخداع وتضليل المجتمع وصناعة الحُجب
والمغاليق عن مستنقعات الفساد الآسنة المنتنة في ردهات وزارة العدل…نجى
الله المجلس الأعلى للقضاء منها…اللهم آمين
ففي صحيفة المدينة في العدد ١٨٠٦٨بتاريخ ١٤٣٣/١١/٢٦هـ
عاد
معاليه ليمارس خداعه وألاعيبه على الناس جميعاً…ومرادي في هذه الأسطر هو
بيان التزوير والخداع بنفي معاليه الاستقالات الجماعية للقضاة، ثم ادعاء
خروجهم من المجال القضائي يبكون!!!
لم
يمض على تكليف وزير العدل برئاسة قمة الهرم القضائي سوى أشهر…وخلال تلك
الفترة تقدم بطلب الاستقالة والتقاعد…العشرات من القضاة بمختلف درجاتهم من
الملازمين القضائيين وحتى قضاة الاستئناف… ولقد أعفي واستقال ونُقلت خدمات
بعضهم…بحجةٍ بلهاء صلعاء لا تنم عن أي شعورٍ بالمسؤولية "اللي ما يبينا ما
نبيه"، ولذا لم يكن للمجلس برئاسة معاليه -تكليفاً- أي جُهدٍ أو حتى توجهٍ
بثني غالبهم للعدول عن الاستقالة أو الإعفاء أو غير ذلك، بل لم يُجلس مع
غالبهم إن لم يكن كلهم لسماع أسباب هذا التسرب الكبير والذي يُفقد القضاء
خبرات قضائية تراكمت على مدى سنوات لا يمكن تعويضها. وفي حين أن الإحصاءات
والتصريحات المعتبرة تؤكد قلة عدد القضاة في مقابل الأعمال التي يقومون
بها، وفي حين وضع المجلس الأعلى للقضاء برئاسة معالي الشيخ صالح ابن حميد
ثقله في دعم الأعداد وظهر تزايد أعداد القضاة بشكل ملحوظ في مدة رئاسته
للمجلس والتي لم تكتمل . يأتي وزير العدل وبتكليفه برئاسة المجلس لممارسة
أساليب خفية وظاهرة "للتطفيش" وزرع اليأس في قلوب أعضاء السلك القضائي من
أي بادرة لإصلاح الجهاز والرقي بمستوى القضاء الشرعي الذي تمثله بلادنا
وتنقيته من المهاترات والتصفيات الشخصية، وتعدد جهات التقاضي، وتسهيل
مرافعة المتخاصمين وتسريع صدور الأنظمة، والوقوف سداً منيعاً ضد المتطاولين
على القضاء فعلاً أو قولاً…
وأقبح ممارسات"التطفيش" حجب الحقوق المشروعة للقضاة…ومنها ترقياتهم التي
يستحقونها بقوة النظام، ومع ذلك يُحجب قوم عن الترقية ويمضي أقوام. فما بال
من حُجب، لمَ حُجب!!!
ومن ممارسات "التطفيش" عدم قبول مشاركة (بعض) القضاة المتميزين من المشاركة
في لجانٍ قضائية بحجة "أنه غير مرضيٍ عنه" …ولو أذن لي صاحب الحادثة
لرويتها بالتفصيل…
ومن ممارسات معاليه "للتطفيش"…تأخير صرف انتدابات مستحقة لقضاة عملوا في
محاكم لا يصلون إليها إلا بشق الأنفس لتسيير أعمال أهل البلدة وطلباتهم، ثم
يبقى طلب الصرف يخوض في مستنقعات الوزارة أشهراً لا بل يحول عليه الحول
وهو مازال بعدُ لم يُصرف…وهذه حالات جماعية متكررة، أُشغل القضاة بسببها
فلابد أن يتابع صاحب الحق بنفسه ليحصل عليه ليسدد أجرة منزله المستحقة قبل
نهاية السنة!!
وإمعاناً
في قتل أي أملٍ قد ينمو في القلوب…وبعد قيام المجلس الأعلى للقضاء وفي عهد
معالي الشيخ صالح بن حميد بإصدار خطة تدريبية متميزة للقضاة، يأتي دور
معاليه بعد استماتته السابقة في اختطاف صلاحياتٍ ليست له بإفشال المشروع
التدريبي برمته فلا يكاد يحصي القضاة عدد المدربين(سواء من داخل السلك
القضائي أو خارجه) الذين يقدمون الاعتذارات بين أيديهم وفي مقدمة حديثهم
بأنهم لم يُبلّغوا بالبرنامج التدريبي وعنوانه إلا قبل يومين، بل بعضهم في
نفس اليوم…فأي احترام بعد ذلك للأوقات والعقول!!!!
ولمزيد
إغراق للقاضي في بحر (المعاملات) المتلاطم، وتقنيطاً له من أي إصلاح ولو
متخيل في الذهن، برزت فكرة "الفوضى التدريبية" على نسق "الفوضى
الخلاقة"…فمع بداية الفوضى التدريبية لموظفي وزارة العدل…لم يعد يمكث في
المكتب القضائي في أحايين كثيرة سوى موظفين اثنين وأحياناً موظف واحد،
فتراكمت المعاملات والإجراءات والخطابات، وأصبح المكتب القضائي في فوضى
وسوء تنظيم… فلا يبقى للمراجع لبث حنقه وغيضه على تأخر معاملته إلا
القاضي!!
والزائر للمحاكم هذه الأيام والأشهر الماضية يدرك ما أتكلم عنه…والطامة الكبرى أن الموظف هو الموظف قبل التدريب وبعد التدريب.
أما
قتل مبادرات بعض القضاة في محاولاتهم المستميتة لتسريع عجلة التقاضي
وضبطها فهذه أكبر من أن يحتويها مقال…فعلى القاضي أن يكتب عشرات الخطابات
ويتصل على المسؤول المباشر عدة مرات حتى توفر له الوزارة -غير مشكورة-
حاسباً أو ماسحاً ضوئياً أو هاتفاً أو دولاباً لتنظيم معاملات مكتبه……إلخ
ومع
هذا التسرب المتكرر لأعضاء السلك القضائي، والممارسات التي يمارسها وزير
العدل وبعض حاشيته يحيك في الصدر شيءٌ من الريبة حيال ذلك، فما المقصد من
إخلاء محاكم كاملة ومكاتب في محاكم من قضاتها الذين يعملون بها بسبب
استقالتهم أو تقاعدهم أو غير ذلك… ما السبب في قبول استقال قاضيين من قضاة
التنفيذ هما من أوائل قضاة التنفيذ وكون ذلك متزامناً مع صدور نظام التنفيذ
بأهميته وضخامته وحاجته لمزيد من القضاة لتنفيذه على وجهه المطلوب؟ هل
المراد إحداث هذا الفراغ؟ هل المقصود إرسال رسائل سلبية عن القضاء الشرعي
بسبب تأخر الأعمال لقلة القضاة؟؟ هل المطلوب زيادة أعداد المتسربين من
القضاة لما يواجهون من زيادة الأعباء عليهم لاستقالة زملائهم أو تقاعدهم؟؟
هل المراد تفريغ المكان لإحلال أشخاص آخرين؟ فمن هم؟ هل سيمارس معاليه مع
قضاءنا ما مارسه وزير العدل المصري مع القضاء المصري فأصبح(رجال القضاء
الأهلي هم ولاة الأمر في وزارة العدل، فما أهونه عليهم أن يأمروا بوقف أي
حكم من أحكام القضاء الشرعي…)(وكان القضاء الأهلي في أول أمره يمشي الهوينى
إلى غايته على استحياء، يخشى أن يواجه المسلمين صراحة بعداء الدين…)(وسار
القضاء الأهلي يترسم خطا أوربة، بل يساميها ويسابقها في الحكم بالتشريعات
الوثنية الإلحادية، والحكم بالتشريعات الإباحية في المسائل الخُلقية)*
وإني
أجد نفسي غير راغبٍ في الحديث عن مشروعات معاليه التغريبية في جهاز
القضاء،ابتداءً باللجنة الإعلامية المشهورة، ومروراً بالاتفاقات السرية مع
وزير العمل، وانتهاءً بمحاولة تفسير وتغيير بعض المواد في نظام القضاء
لتوائم الأغراض التغريبية لدى معاليه .
والسؤال
لماذا تغيرت سياسة وزير العدل حين تكليفه برئاسة المجلس، عن سياسةٍ مضى
عليها سنون وأثبتت جدواها في حفظ الكيان القضائي وأعضائه بأقل جهد وكلفة،
ففي عهد سماحة الشيخ صالح بن محمد اللحيدان، ومعالي الشيخ صالح بن حميد…لم
تكن الاستقالة أو طلب التقاعد المبكر شيئاً عادياً يمر بالمجلس، بل حالة
يُستنفر لها أعضاء المجلس المتفرغين لتُكون لجنة من بعض أعضاء المجلس
المتفرغين تطلب فيها حضور القاضي والاستفسار منه حول طلب الاستقالة أو
التقاعد وعن أسباب ذلك ومحاولة حل المشكلات إن تيسر أو تطمينه بحلها قريباً
وإشعاره بضرورة بقائه وأهميته في بلده المُعين فيه وتذكيره بالاحتساب وما
عند الله تعالى، وكثيرٌ منهم كان يعدل عن طلبه، ومن كانت له ظروف لا يمكن
تجاوزها كان يُعطى مراده. ولازالت قصص بعض القضاة تُتداول عند محاولة بعضهم
الامتناع عن العمل القضائي لعدم رغبتهم فيه وكيف كان تعامل سماحة الشيخ
صالح اللحيدان معهم وطول نَفَسه في إبقاء الممتنع في السلك القضائي حتى يصل
الأمر لمرحلة اليأس(وهذا ليس تصويباً ولا تخطئة لفعل الشيخ بل بيان للفارق
ما بين ممارسة الأمس واليوم وبين من يريد رفعة القضاء وبين غيره).
وأقول لمعاليه صدقت. لقد خرج القضاة من سلك القضاء وهم باكون على حال السوء
الذي وصل إليه، وعلى عَرضه كلأً مباحاً على موائد اللئام ينهشون فيه
ويفترون ويزورون ويخادعون…وليتيقن معاليه أن وهج منجزاته الورقية لن تتجاوز
صفحات الجرائد الصفراء ولا كتاب الانجازات الذي يسعى لإخراجه من ميزانية
الوزارة…وستبقى السنوات الأربع من عمر معاليه بقعة سوداء في حياته
عامة…وأعظمها جرماً فتوى الاختلاط، والسعي لانتقاص منصب القضاء والتهوين
منه سواء بتعطيل مشاريع أو إقامة مشاريع مضادة لإصلاح القضاء وتطويره أو
هضم لحقوق منسوبيه وتعطيلٍ لأعمالهم المناطة بهم بإشغالهم عنها بمهاتراته
وبذور اليأس التي يزرعها في قلوبهم.
وإنني
هنا أدعو كافة القضاة بكل درجاتهم بالصبر والاحتساب، فلم يمر على القضاء
مصيبة ورزية كمثل مصيبته ورزيته هذا اليوم. فالصبر والتقوى والعمل على بيان
الواقع لولاة الأمر ووضعهم أمام الصورة الحقيقية دون تزييف الإعلام
وتدليسه، وقبل ذلك الالتجاء إلى المولى جل جلاله هو الخيار الصحيح والشرعي
-فيما أحسب- والله من وراء القصد والحمد لله رب العالمين.
*نقلاً عن: تقرير عن شؤون التعليم والقضاء/أحمد شاكر
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق