وزير العدل والتشبع بالتزكيات المشبوهة ٢/٢

 

بقلم القاضي / عبدالله بن سليمان العمرو

‎اليوم ثاني أيام الوفاء..
‎كنت وعدت في مقالتي الأولى "يا معالي الوزير من تكلف ما لا يعنيه ضَيَّعَ ما يعنيه "
http://t.co/zluA2q1t "بأن أجلو الزَّبد الذي صنعه الوزير والإعلام معه لشخص الدكتور محمد العيسى وأثره على تطوير الوزارة ودور العدالة من ورائها.
‎ووعدت بأن ابدأ بكشف زَغَلِ ما يتباهى به معاليه فيعده منجزاً يُجير لصالحه ويكتب في سيرته..
‎وقد شرعت في مقالتي الثانية بكشف زغل تطويره للمباني العدلية بناءً واستئجاراً إضافة لحوسبة الإجراءات التي هي منجز لمن قبله. "رابط المقالة الثانية  http://t.co/tN435nRS "
‎واليوم نواصل تجلية الذي يَعُده معاليه علينا كمنجز ابتكره..


‎أمممممم.. أي شيء نبدأ به اليوم..
‎أي شيء نبدأ به..
‎لنبدأ بشيء من أواخر تشبعه.. تناقلت الصحف الورقية والمواقع الإخبارية تصاريح ابن عيسى بحل مشكلة تكدس القضايا عبر فكرة تكليف القضاة والموظفين بخارج دوام، ومع أنَّ هذا الحلّ يعلم الخبير بواقع البيئة القضائية أنه فقاعة إعلامية لن يحل شيئاً ذا بال من التراكم التي تعيشه المحاكم بسبب النقص الحاد لعدد القضاة.. مع ذلك فقد تأخر تطبيقه في المحاكم بسبب تأخر صدور قرار التكليف بخارج الدوام من صاحب الصلاحية رغم الإعلان مسبقاً عنه صحفياً "فقاعة إعلامية!"
‎وتأكيداً لما ذكرته من أن الأمر كله لا يعدو أن يكون تهريجاً إعلامياً كعادة معاليه: فإن كذا محكمة من المحاكم الكبرى التي جاءها تكليف بهذا الحل الفريد الرائع والمبتكر ! جدولت مواعيد إضافية في المساء لعدة أشهر بناءً على تهريج معاليه الصحفي، وعملت بذلك شهراً ثم جاءها توجيه شفهي بالاكتفاء بهذا الشهر وألا ترفع المحاكم بالأشهر القادمة !
‎قيل لهم: وهذه المواعيد المجدولة.. والناس.. ؟!
‎قالوا: أخبروهم بإلغاء المواعيد !
‎حصل المقصود من هذا التهريج الإعلامي.. والناس إلى سقر..


‎ما رأيكم لو حكينا قصة البصمة وتطبيقها في محكمة جدة !
‎يقول د.العيسى في خصوص البصمة: (سبق أن قلنا إن الوزارة على وشك إطلاق نظام البصمة الذي يلغي المعرف لمن تحمل هوية وطنية باسمها، وقد جرى عمل تجربة لها في المحكمة العامة بجدة، ونحن بصدد عمل اتفاقية في هذا الخصوص مع الجهة المعنية) سِيَاقُ تشبعٍ كعادته!
‎إن فكرة إدخال البصمة الألكترونية إلى المحاكم والاستغناء ببصمة المرأة عن المعرف جهدٌ شخصي قام به فردٌ من القضاة، وسعى بنفسه عند الجهة المسئولة لتضع عنده في مكتبه القضائي نقطة، وتواصل معهم تواصلاً شخصياً دخل فيه وخرج.. وقام وقعد.. إلى أن طلبت الجهة موافقة الوزارة، فسعى إلى الوزارة وكتبوا معه خطاب موافقة، وهي تجربة رائدة يشكر عليها الزميل، ولعلها تكون سبباً في إلغاء وضع صورة المرأة في البطاقة يجري عليه أجرها..
‎أياً ما كان فالفكرة نتاج وجهد قاضٍ، وجهد الوزارة انحصر في كتابة خطاب موافقة لا أكثر !
‎فلماذا لا ينسب الوزير الفضل إلى أهله أو يريد أيضاً تجييرها لصالحه، أو هذا مثالٌ لمحبة المدح بما لم يفعل المرء.
‎ومع أن تجربة الزميل للبصمة بلغ عمرها سنتين، إلا أنَّ الوزير لم يبدأ بعْدُ في اتخاذ خطوات عملية يراها العيان، فهو لا يزال بصدد ! إسمع إليه يقول تحت قبة الجزيرة: (ونحن بصدد عمل اتفاقية في هذا الخصوص مع الجهة المعنية) كعادته لا يحسن إلا البهرجة !
‎خلصنا من هذا إلى أنَّ البصمة والتصريح إثر التصريح بقرب تطبيقها من سنتين كله جعجعة لا أثر له في المحاكم إلى اليوم..


‎وأما تفعيل مكاتب الصلح في المحاكم ففي سياق حديثه عن مشروع نظام المصالحة والتوفيق قال الوزير: ( في الوقت الذي نستشرف فيه مستقبل المصالحة والتوفيق ونتهيأ لنظامه المؤسسة قمنا خلاف الفترة الماضية بتفعيل مكاتب الصلح في المحاكم بأسلوب ذاتي –انتقالي-) ثم رجع مرة أخرى في آخر حديثه تحت قبة الجزيرة إلى ذات الأمر فقال:( شرعت الوزارة بإنشاء مكاتب للصلح في بعض المحاكم، لكن ليس لها نظام رسمي ولا هيكلة ولا اعتمادات، أي بجهود ذاتية من الوزارة، وبعضها يقوم على التعاون الخيري)
‎إن مكاتب الصلح المشغلة بأسلوب ذاتي-كما عبر عنه- أو عبر التعاون الخيري، فكرة عُمِل به في المحاكم في الرياض وجدة وغيرهما وطُبقت على أرض الواقع قبل مجيء ابن عيسى إلى سُدة الوزارة بسنوات ذوات عدد، وكانت في كثير منها بجهود ذاتية من رؤساء تلك المحاكم.
‎إذا عرفت هذا فأعد قراءة عبارات الوزير لترى كيف جيّر هذا الإنجاز لنفسه تشبعاً بما لم يعط، ولاحظ عبارات التباهي "قمنا..بتفعيل" "شرعت الوزارة..بجهود ذاتية من الوزارة"
‎بجهود ذاتية ! يعني هل ينتظر معاليه الأمم المتحدة تكلف حلف شمال الأطلسي؟!
‎أو ينتظر مؤسسة رَنْد تعينه على هذا !


‎لننتقل إلى الملتقيات: يقول د.العيسى: (أقامت الوزارة العديد من المناشط، بل لا يكاد يمضي ثلاثة أشهر إلا ويقام ملتقى دولي في موضوع من الموضوعات العدلية المهمة).
‎ومع هذا التزيد الذي يعلم الجميع حقيقته "لا يكاد يمضي ثلاثة أشهر إلا ويقام ملتقى"، فإن كان صادقاً فليعدد لنا أسماء هذه الملتقيات التي أقامها وأماكنها لنحسبها صحّ ! وكم حضر مجموعها من القضاة بدون تكرار لأسماء معينة..
‎أياً ما كان فبودي أن يعلم العموم: بأن عامة القضاة لا يبلغهم خبر هذه الملتقيات إلا كما يتبلَّغ بها من لا ناقة له فيها ولا جمل، فالقضاة لا يتناهى إلى أسماعهم أخبار هذه الملتقيات إلا إذا نشرت في الصحف ! أما دعوتهم إلى حضورها أو الاستفادة من طرحها إن كان بها فائدة فهذا أمرٌ لم يفكروا بعد أن يحلموا به.
‎هل تصدقون يا جماعة بأنَّ توصيات هذه الملتقيات فضلاً عن أورق العمل المقدمة فيها إلى هذا اليوم لم توزع على القضاة الذين هم ألصق الناس بها !

‎وقد خبر القضاة مغزى هذه الملتقيات، فهم يتحدثون فيما بينهم بأنَّها فرقعات إعلامية لا يحسنها إلا مهرج، يقفز بأقصى قوته وهو يشير بكلتا يديه لعل الكمرة تلتقط له صورة؛ وهو يقول: أنا هنا انظروني أعمل ! وليته في الحقيقة يعمل !
‎ولتتيقنوا رأي القضاة استمتعوا مع ابن عيسى يتحدث عن المسائل التي ستطرح في ملتقى قبل إقامته: (ونحن على معرفة بالكثير من المسائل التي يكثر طرحها في هذا المجال، ومع وجود تصورات عامة حيالها من قبلنا مع ما قد نعهد به إلى خبراء لتقديم الرؤى بشأنها؛ لكننا نحبذ أن تطرح في لقاءات علمية مفتوحة تستفيد حتى من الخبرات الدولية، فغالب ملتقياتنا دولية، ومن ثم نأخذ الخلاصة من خلال التوصيات على ضوء ما أشير إليه).
‎هل خلصتم من عبارة معاليه إلى أن هذه الملتقيات تحصيل حاصل؛ لأن التصور موجود عند معاليه قبل انعقادها، فلماذا يحبذ انعقادها وقد انعقد التصور في ذهنه !


‎ومن التشبع الذي نقله معه لما كُلِّفَ برئاسة المجلس الأعلى للقضاء أنه لما عُقِد في فترة تكليفه الاجتماع الخاص برؤساء محاكم الاستئناف، خرج الخبر في الإعلام بأنه الملتقى الأول وكأنه منجزٌ جديدٌ أتى مع تكليف د. العيسى !
‎هل تصدقون يا سادة بأن هذا الاجتماع الذي جعله الأول ليظهره كمنجز له في الحقيقة هو الاجتماع الثالث لرؤساء محاكم الاستئناف، فسبق وأن عقد الاجتماع الأول والثاني في فترة رئاسة د.صالح بن حميد.
‎الاجتماع الأول في فترة د.ابن حميد كان في 19/11/1430 وهذا رابط خبره "  http://www.scj.gov.sa/index.cfm?do=cms.conarticle&contentid=575&categoryid=427  "
‎والاجتماع الثاني في فترة د. ابن حميد كان في 4/7/1432 وهذا رابط خبره http://www.scj.gov.sa/index.cfm?do=cms.conarticle&contentid=1056&categoryid=427
‎وأما الاجتماع الثالث في فترة تكليف د. العيسى فكان في 18/8/1433 وهذا رابط خبره " http://www.moj.gov.sa/ar-sa/pages/News_Details.aspx?News=187 " ولاحظ عنوان الخبر "وزير العدل يفتتح الملتقى الأول لرؤساء محاكم الاستئناف بالمملكة" وفي آخر الخبر يقول: "الجدير بالذكر أن هذا الملتقى وهو الأول من نوعه".
‎يا حليلك يا معالي الوزير.. أجل "هذا الملتقى الأول من نوعه" !
‎طيب يا دكتور محمد هو في النهاية مجرد اجتماع لا يساوي ضريبة الكذب.. لكني أقدر الطبع والظروف التي ألجأتك لهذا وأمثاله، حتى رآه غالب القضاة سجية فيك.


‎ولما فرغت يَدُ معاليه من المنجزات الحقيقية التي تُبقي شيئاً من ماء وجهه، لم يبق له شيء يتباهى به غير التزكيات الدولية التي يراها البعض تزكيات مشبوهة.. أمر مؤسف فعلاً !
‎يقول ابن عيسى يخاطب الصحفيين: (وقد سمعت ورأيتم عرضاً عن حجم العمل الذي نعمل عليه، وعن الشهادة الدولية التي ثمنت منجزاته، منها البنك الدولي، والاتحاد الدولي للمحامين، كما حصلنا على تقدير نقابة القضاة والمحامين الأمريكيين لوزارتنا ومنحنا العضوية الفخرية).
‎ثم رجع يمتدح النيشان الذي منحته نقابة المحامين الأمريكين، فقال: (هذا التكريم للقضاء السعودي لم يأتِ من فراغ؛ بل بعد سجال وحوار معهم انتهى إلى تقارب رؤى وتفهم في غالب الأحوال، أما الاتفاق الكامل فهذا يستحيل).
‎وفي آخر لقائه تحت قبة الجزيرة لم تطب نفسه إلا أنَّ يعود لهذا النيشان والميدالية التي لم تأت من فراغ، فقال يمتدح نفسه: (وعلى إثر هذه الحوارات في محافل دولية تضم مئات الشخصيات الحقوقية المؤثرة عالمياً حصلنا على ميدالية الاتحاد الدولي للمحامين) ثم امتدح الاتحاد الدولي وفي ثناياه مدح طرحه كرة أخرى ثم رجع إلى الميدالية مرة ثانية أو رابعة ليقول:(وقرر على إثر ترحيبه بما اطلع عليه وتقديره وتثمينه له: منح العدالة السعودية ميداليته التي حرص الاتحاد على أن تكتب كما جاء في بيان رئيس الاتحاد بلغة العدالة السعودية وهي العربية ولأول مرة في تاريخ الاتحاد) منجز رائع يا معالي الوزير..!
‎لم ننته بعد من استعراض هذا المنجز العالمي: (وقد أصرَّ رئيس الاتحاد على أن تصلنا الميدالية في المملكة العربية السعودية) أنتَ أهلٌ للتلزيم يا معالي الوزير !
‎معذرة يا سادة : تحملتموه كثيراً ولم يتبق إلا القليل..
‎واصل.. واصل يا معالي الوزير: (وكانت المفاجأة الثانية في قيام رئيس الاتحاد بنفسه بزيارة المملكة لهذا الغرض وسلمّها لنا قبل أسابيع).
‎لا..لا.. مالك حق، يجي بنفسه ! كَلَّفت عليه يا رجل.. ليتك أرسلت مندوباً لاستلامها ولو على حساب مشروع تطوير القضاء !
‎فالحمد لله الدراهم واجد، والملك راصد لنا ستة مليارات وإن لم نصرفها لحصد الميداليات والرّوحات والجيّات فأين نصرفها؟

‎بقي يسيرٌ فأنشدكم بالله إلا تحملتموه..
‎لا عليك يا معالي الوزير استمر في عرض هذا المنجز التاريخي! : (وكذلك حصلنا على العضوية الشرفية لنقابة القضاة والمحامين الأمريكيين تقديراً منهم لنا، وهذه العضوية لا تمنح بسهولة؛ ولكون قرار النقابة لم يأت إلا متأخراً،.. صار لهم مثل ما صار للاتحاد الدولي للمحامين، فقد قرروا إرسال نيشان العضوية لنا في المملكة، وفعلاً وصل مندوبهم للمملكة وسلمه لنا، وهذه المشاهد هي في الواقع تاريخية ولا يمكن أن تُنسى، ولو بقينا في أماكننا ما حصلنا عليها).

‎أرأيتم إلمَ يلجئ إليه الفارغ..
‎كل هذا التكثر لأجل ميدالية.. وعضوية نقابة تستوطن أرض العمّ سام .. وقد لفت نظري أنَّ الاتحاد الدولي للمحامين لما عقد مؤتمره في دبي في 30 أكتوبر 2011 افتتحه رجل يخوض الناس في انتمائه وهو د. محمد البرادعي، وأنا أقرأ هذا الخبر عرض في ذهني تلك الجوائز الدولية التي مُنِحت لمسؤول بعد أنْ جَهِد لإيقاف حلقات التحفيظ بحجة السعودة، وخاض الناس في حينه عن تزامن تلك الجوائز مع هذا القرار..

‎نعود..
‎يا معالي الوزير: الرجل الناجح تتحدث عنه منجزاته، والفاشل يتحدث هو عن منجزاته التي لا يراها غيره، ومن لم يشهد له الأقارب بالإنجاز فلن تنفعه شهادة الأباعد..
‎ألم يمرَّ عليك يوماً أثر عمر رضي الله عنه لما قال للشاهد: لا أعرفك، فقال رجل من القوم : أنا أعرفه . قال : بأيّ شيء تعرفه ؟ قال : بالعدالة ، والعقل . قال : هو جارك الأدنى الذي تعرف ليله ونهاره ، ومدخله ومخرجه ؟ قال : لا , فقال : فعاملك بالدرهم والدينار ، اللذين يستدل بهما على الورع ؟ قال : لا . قال : فرفيقك في السفر الذي يُستدل به على مكارم الأخلاق ؟ قال : لا . قال : لست تعرفه . ثم قال للرجل : ائت بمن يعرفك . قال ابن حجر : صححه ابن السكن.
‎ونحن من يعرفك! خالطناك ما يربو على ثلاث سنوات عجاف لم نر فيها غير سراب وعود.. ولم نسمع غير ضجيج الجعجعة ولم نر طحيناً بعد، وأحلف على أنّا لن نراه مع معاليكم؛ لأن معاليكم مشغول بإمالة المجتمع ميلاً عظيماً، وصاحب الصنعتين بَطّال وقد عذرناكم ! فما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه.

‎بقي في الجعبة أسهم..
‎"فتربصوا إنا معكم متربصون"



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق