نقص عدد القضاة خللٌ أم اكتفاء!
بقلم الشيخ / عبدالهادي بن علي الخضير


الحمد لله وحده وبعد: فإن القضاء لما كانت حكمته المعلومة المرجوة هي: رفع التهارج ورد النوائب،
وقمع الظالم ونصرة المظلوم، وقطع الخصومات، ووضع الشيء في محله؛ ليكف الظالم عن ظلمه، ويأخذ المظلوم الحق ممن ظلمه، وهو من واجبات الإمام كما هو مقر عند علماء السياسة الشرعية، فأوجبوا على الإمام تنصيب القضاة بما يحقق الهدف المنشود، وفي ذلك يقول البهوتي –رحمه الله-: (ويجب على الإِمام أن ينصب في كل إقليم قاضيا؛ لأن الإمام هو القائم بأمر الرعية المتكلم بمصلحتهم , المسؤولُ عنهم , فـيبعث القضاة إلى الأمصار؛ لِفعل النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة وللحاجة إلى ذلك) [كشاف القناع 6/268]  وينظر في هذا المعنى [أدب القاضي لابن أبي الدم ص 89، وتبصرة الحكام لابن فرحون 1 / 21، والمغني لابن قدامة 9 / 38]، وبنصب العدد الكافي المؤهـل من القضاة يحصل المقصد الشرعي من الحكم القضائي الذي هو: (( وصول الحقوق إلى أهلها، وقطع المخاصمة، فوصول الحقوق هو المصلحة، وقطع المخاصمة إزالة المفسدة، فالمقصود هو جلب تلك المصلحة وإزالة هذه المفسدة، ووصول الحقوق هو من العدل الذي تقوم به السماء والأرض، وقطع الخصومة هو من باب دفع الظلم والضرر)) ]مابين الحاصرتين بنصه من كلام ابن تيمية –رحمه الله- مجموع الفتاوى 35 / 355[ فإذا تقرر هذا الأصل الشريف وهو وجوب نصب العدد الكافي من القضاة في كل بلد؛ لقضاء حوائج الناس، وتحقيق العدل، فإن الناس يسألون عن تحقيق ذلك في بلادنا ورؤية القطاع العدلي ممثلاً بمسؤوليه عن ذلك، وللحق فإن الرؤية التي كشفتها التصاريح الصحفية - التي هي وسيلة التخاطب الأمثل لمسؤولي المؤسسة العدلية في الآونة الأخيرة حتى في الحديث لمنسوبيها- لايمكن أن يجد فيها الباحث مايطمئن إليه من ثبات في الرأي وتشخيص للمشكلة وطريق للعلاج، و بغية النصفة من النفس وخشية الحيف، سأسوق هذه التصاريح بنصها مع روابطها..
التصريح الأول: في عدد جريدة الجزيرة رقم 13706

‏http://www.al-jazirah.com/2010/20100408/ln11.htm
‏13706 http://www.al-jazirah.com/2010/20100408/ln11.htm137(( فاجأ الوزير -وزير العدل- الحضور أن وزارة العدل لا تعاني من نقص في أعداد القضاة في القضاء العام إذ تحتضن محاكم المملكة نحو (1400) قاضٍ ))
التصريح الثاني: في عدد جريدة الشرق الأوسط رقم 11479
‏ http://www.aawsat.com/details.asp?section=43&article=567916&issueno=11479
((   وعن نقص عدد القضاة، نفى -وزير العدل- أن تكون السعودية تواجه هذا الأمر، وقال إن وزارة العدل لا تعاني من نقص في عدد القضاة وإن تأخر القضايا بسبب الأعباء الإدارية الملقاة على عاتق القضاة ))
 التصريح الثالث: في عدد صحيفة عكاظ رقم 3708
‏http://www.okaz.com.sa/new/issues/20110812/PrinCon20110812439200.htm
(( لكن وزير العدل الدكتور محمد بن عبدالكريم العيسى، كرر على مدى أكثر من مناسبة أنه لا نقص في عدد القضاة، ففي 06/03/2010م خلال لقاء المحامين الثالث الذي نظمته غرفة القصيم، وعزا الأمر إلى أن الأعباء الإدارية تضاعف الضغوط على القضاة وأن النقص الحاصل في الساحة القضائية يتمحور حول الأدوات المساندة للعمل القضائي فقط، لا في أعداد القضاة، كاشفا عن أن عدد القضاة في المملكة تجاوز الضعف وفق المعيار الدولي، وبعدها في 06/04/2010م خلال ثلوثية الدكتور محمد المشوح، فاجأ الحضور بالتأكيد على أن وزارة العدل لا تعاني من نقص في أعداد القضاة في القضاء العام إذ تحتضن محاكم المملكة نحو 1400 قاضٍ ))
التصريح الرابع: بمثل التصريح الثالث  في عدد  صحيفة شمس 1636
‏http://www.shms.com.sa/html/story.php?id=102294
التصريح الخامس: في جريدة الحياة
‏  http://www.daralhayat.com/print/239095
((ولفت - وزير العدل- إلى أن وزارة العدل لا تعاني من أي نقص في عدد القضاة كما أشيع أخيراً. وتابع: «عدد قضاة وزارة العدل وفق المعيار الدولي لأعداد القضاة تجاوز الضعف، لدينا نقص في الأدوات المساندة للعمل القضائي، متى ما تم تسديد هذا النقص فلن نجد أي إشكالية )) ومما تجدر الإشارة إليه في هذا السياق أن معالي الوزير وفي التصريح نفسه قد سئل قبل هـذا السؤال عن مناطقية القضاة فأجاب: ( لا يمكن أن يكون في القضاء مناطقية، ومع أنني لست مخولاً بالحديث عن هذا الأمر لأنه من اختصاص المجلس الأعلى للقضاء ) والعلة هنا متحدة مع العلة في كفاية عدد القضاة من عدمه، والتفريق بينهما تفريق بين متماثلين، إذ أن عدد القضاة وتعيينهم وتحديد أماكنهم هو من اختصاص المجلس لا وزارة العدل كما نص على ذلك المواد (٦، ١٥_٢٤، ٣١_٤٧) نظام القضاء، وإنما تختص الوزارة بموجب المادة الحادية والسبعين من نظام القضاء بالاشراف الاداري والمالي على المحاكم، ومما يجدر التعريج عليه في هذا السياق أن المختص نظاماً بذلك وهو المجلس الأعلى للقضاء قد صرح رئيسه السابق بخلاف ذلك كما في صحيفة الوطن  http://www.alwatan.com.sa/Local/News_Detail.aspx?ArticleID=41997&CategoryID=5
(( عدد القضاة قليل نوعاً ما رغم أن عدد القضاة قبل سنة ونصف كان ٩٠٠ قاض والآن لدينا ١٥٠٠ على الرغم من زيادة عدد السكان لكن الأمل أن يزيد العدد أكثر في الفترة المقبلة ))...
 فهل سيختلف رأي معالي الوزير بعد تكليفه بعمل رئيس المجلس الأعلى للقضاء أم لا؟!!.

والتصاريح المؤيدة لكفاية القضاة ليست رأياً خاصاً بوزير العدل فقد صرح وكيل الوزارة وهو المسؤول الثاني في الوزارة حول ذلك بل وذهب إلى أبعد مماسبق وهو أن مرفق القضاء لايعاني أي نقص في كوادره - يفهم منها القضاة وأعوانهم - وهو ماأبانه في
التصريح السادس: في صحيفة الوطن http://www.alwatan.com.sa/Local/News_Detail.aspx?ArticleID=95749&CategoryID=5
((وبرأ الحارثي المرافق العدلية المتضمنة "القضاء وموظفي وزارة العدل من كتاب عدل وخلافه" من مسألة تأخير البت في القضايا، مشيراً إلى أن مرفق القضاء لا يعاني من أي نقص في كوادره. ونفى بذلك كثيرا من الأسباب التي تشاع حول تعطيل القضايا أو أنها تعود بالدرجة الأساسية إلى قلة القضاة )) .

 لكن معالي وزير العدل كان له رأي آخر في عدد القضاة وذلك في تصريحه لجريدة الرياض
‏http://www.alriyadh.com/2007/10/11/article286027.html
 (( "الرياض": مشروع الملك عبدالله لتطوير مرفق القضاء ضخ سبعة آلاف مليون ريال، وهذا المبلغ بكل المقاييس يعتبر كبيراً، لاسيما وأن معالي وزير العدل صرح بأن هذا المبلغ منفصل عن اعتمادات الميزانية المخصصة للجهاز القضائي لهذا العام، وهذا يعني أنه رافد آخر، سؤالي ما هي النتائج المتوقعة من هذا الدعم الكبير؟
- د. العيسى: يمكن أن ألخص لك النتائج فيما يلي:
سرعة البت في القضايا ؛ نظراً لوجود نقص في عدد القضاة، وسوف تزداد هذه الحاجة بعد فتح محاكم الاستئناف في مناطق المملكة، وإيجاد دور عدالة على مستوى ملائم للقضاء وهيبته، ولا يمكن أن نغيب أثر دلالة المبنى على المعنى، وتجديد ثقة المواطن والمقيم بأن السلطة القضائية في المملكة تحظى باهتمام الدولة، ولهذا أثر كبير من جهة الثقة والارتياح، وهناك رسالة من خلال هذا الدعم تقول للجميع بأن الإنفاق على العدالة لاحدود له ))
 أعلم أن هذا التصريح إبان كون معاليه نائباً لرئيس ديوان المظالم، إلا أن ذلك لايغني شيئاً فحال قضائنا كما هو منذ زمن بعيد ولم يلمس المواطن فضلاً عن القاضي أي أثر للتغيير.
 والوزارة قد نحت منحى آخر في التخفيف من هذه المشكلة وهي نقص عدد القضاة دون التصريح بها ففي تصريح وزير العدل لصحيفة الاقتصادية..
‏http://www.aleqt.com/2012/05/05/article_653672.pda
(( وفصل العيسى في حديث خاص لـ "الاقتصادية"، ماهية هذا البرنامج بقوله: "إن الوزارة سوف تجعل الأولوية في مواعيد الجلسات للقضايا الزوجية وقضايا السجناء، وهذه الأولوية مرتبطة بعزم الوزارة على إعطاء خارج دوام للقضاة في بعض المحاكم". وأضاف الوزير بقوله: "إن هذه الألوية لن تؤثر في بقية المواعيد". وتوقع وزير العدل، أن يبدأ العمل ببرنامج الدوام الإضافي للقضاة في بعض المحاكم، ولا سيما التي تشهد منها قضايا كثيرة من هذا النوع، مطلع الشهر المقبل، وذلك بهدف الإسراع بالبت في القضايا الزوجية وقضايا السجناء ))
وإذ قرر معالي وزير العدل كما هو منطوق الخبر المنشور في صحيفة الاقتصادية اليوم إعطاء القضاة خارج دوام؛ لإنهاء القضايا المتكدسة وإعطاء ماله صفة العجلة أولوية بذلك، فإن المادة الخامسة والأربعون من نظام القضاء نصت على أنه:(( مع عدم الإخلال بما يقتضيه هذا النظام من أحكام يتمتع أعضاء السلك القضائي بالحقوق والضمانات المقررة في نظام الخدمة المدنية ونظام التقاعد، ويلتزمون بما نص عليه نظام الخدمة المدنية من واجبات لا تتعارض مع طبيعة الوظيفة القضائية)) ولم يتضمن نظام القضاء أحكام خاصة بتكليف القضاة خارج وقت الدوام الرسمي، فيكون المرجع في ذلك لما نص عليه في نظام الخدمة المدنية وقد جاء في
المادة (٣١) من لائحة الحقوق والمزايا المالية لموظفي الخدمة المدنية الصادرة بالأمر الملكي الكريم أ/٢٨ في 20/3/1432هـ، (( يراعى قبل التكليف بالعمل خارج وقت الدوام الرسمي لجميع المراتب ما يلي :
أ ـ ألا سبيل لإنجاز العمل أثناء وقت الدوام.
ب ـ أن يكون العمل خارج وقت الدوام للقيام بواجبات وظيفة شاغرة أو القيام بعمل استثنائي أو مهمة رسمية وليس نتيجة قصور أو إهمال من الموظف.
ج ـ أن يصدر قرار التكليف بالعمل خارج وقت الدوام الرسمي للأيام العادية بالنسبة للمراتب (13،14،15) من الوزير المختص أو من في حكمه.))
فتبين بهذا أن المنظم جعل خارج الدوام في حال القيام بواجبات وظيفة شاغرة، وألاسبيل لإنجاز العمل أثناء وقت الدوام، وإقرار وزارة العدل لبرنامج خارج الدوام إنما هو إقرار ضمني بوجود نقص حاد في أعداد القضاة، وحل آنيٌ بسيط لهذه المشكلة، وغني عن الذكر أن ذلك لم يطبق حتى الآن في كثير من المحاكم بسبب تأخر صدور قرار التكليف بالعمل من صاحب الصلاحية رغم الإعلان مسبقاً عنه صحفياً، وأضيف بأن الوزارة كماهي تعاميمها المتعاقبة في هذا الشأن لاتسمح بالبدء بذلك إلا بعد صدور قرارها.

وبعد: فتلك ثمانية تصاريح كاملة حول مورد مهم من موارد العمل، بل هو أس أساسه وهو المورد البشري، وهو مفصل العملية القضائية، وقد تبين فيه من خلط وتخبط المؤسسة العدلية الأمر الذي لايستقيم مع مايطمح إليه الجميع بتطوير القضاء، فكيف بغيره من الموارد الأخرى، التي يأملها القضاة والناس!!!
والأثر في مجال التطوير يدل على المسير،
والبعرة تدل على البعير ..
وأحيط القارئ بأنه قد قطعت جهيزة قول كل خطيب، وصدر قرار مجلس الوزراء ذي الرقم (261) والتاريخ 1/9/1432هـ بشأن الترتيبات الوظيفية لمرفق القضاء، خلافاً لرأي مسؤولي المؤسسة العدلية في هـذا الأمر، الذي أكدوا على كفاية عدد القضاة كما في تصريح وكيل الوزارة آنف الذكر والذي كان بعد صدور هذا القرار بتسعة أشهـر تقريباً، وفي قرار مجلس الوزراء مايقوم بحاجة الناس من تحديد لأعداد القضاة ومعاونيهم وكتاب العدل بمايفوق الأعداد الحالية أضعافاً، وأختم بما يقول يوتانج : ( لا ريب في أن الرجال الذين يشرفون على تنفيذ القوانين أهم من القوانين نفسها) والله ولي التوفيق..
                                                          


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق