حكايات من قاض سابق عن
مبنى القضاء والقضاة
بقلم طالب آل طالب
قاضي محكمة تثليث
سابقاً
حدثوني أنهم قد أعلنوا من ضمن الشواغر مكاتب
بالمحكمة الجزائية بمحافظة جدة .. وقد وجدت من نفسي لأصحاب الفضيلة الراغبين
الالتحاق بهذه المحكمة أن أبين لهم الآتي .. معذرة إلى ربهم ولعلهم ينتهون
..
( 1 )
حين تبحث عن مقر المحكمة بين بنايات جدة
الجميلة ستفجعك حقيقة أن المحكمة تقع في الشرق البائس المزدحم بعيدا عن البحر ...
في بناية مستأجرة فوق صيدلية النهدي تماما .. صيدلية والله العظيم صيدلية .. أو
"فارمسي" لمن لا يمكن أن يصدق بالعربية .. قد صفت أكوام الحفائظ فيها بشكل تجاري
على الواجهة المقابلة للمراجعين وقامت فيها دعايات المنشطات والواقيات الذكرية ..
وأشياء أخرى يعرفها المتخصصون ..
حينما يأتي ذكر لمكان عملي في مجلس ما .. أضطر
لأن أقول الواقع إلى جوار متجر وطني .. ويقول أحد الخبثاء "فوق صيدلية النهدي"
فأكرر : جوار متجر وطني .. ويكرر : صيدلية النهدي .. ويكون توصيفه أبلغ دقة وأكثر
حسرة !!
( 2 )
يجب لزاما عليك يا صاحب الفضيلة أن تشتري سيارة
رفيعة .. حتى لا تضطر لأن تسمع قرّتها كل صباح في مدخل المواقف السفلية .. لا مانع
أبدا أن تطلب من فضيلة الرئيس أو تنسق مع رجال الأمن ـ حرس المحكمة ـ على أن تكرر
الدخول عدة مرّات حتى تتقن العملية .. هل قلت المواقف .. أعتذر إليكم .. لا يمكن أن
تسمى مواقف إلا تجوزا وإلا فهي عبارة عن دحل جوفي مظلم .. تلج إليه المركبات بشق
الأنفس .. ثم تحتاج إلى كثير من المهارة لأجل تجاوز الأعمدة المصفوفة بفوضى متناهية
.. حتى تصل إلى الموقف المخصص لجناب فضيلتكم ..
( 3 )
حينما تنتهي من إيقاف السيارة يتأكد عليك أن
تأخذ نفسا عميقا إذ إن أمامك عقبة كئودا اسمها " المصعد " .. المصعد لمن لا يعرفه :
جهاز حديث لم يكن موجودا في الماضي .. يستخدم بدل السلالم .. ويقلّ أصحاب الفضيلة
وغيرهم للأدوار العلوية .. ويتمتع بتهوية كافية ونظافة أكيدة .. أما هو في المحكمة
آنفة الذكر فآلة سوء وجهاز شتيمة .. تضطر لأن تنتظره عشر دقائق على الأقل في جو رطب
وحار .. ثم يصل إليك أخيرا وهو محمل بالآتي : 1 كاتب ضبط 1 مراجع 2سجين بقيد واحد 1
خفير 1 مطلق سراح متهم في قضية تحرش جنسي شاذ .. المجموع 6 أشخاص .. تضطر أن تحشر
نفسك معهم حشرا يا صاحب الفضيلة .. يجب عليك أن تطلب من العسكري الخفير أن يأمر
مطلق السراح بالذات أن يجعل وجهه تلقاء الباب... حاول أن تبتلع ما استطعت من الهواء
قبل الدخول .. ثم تأكد أن تتخذ لقدمك موضعا سهلا .. ذلك أن تعرجات ما في الأرضية
البلاستيكية قد تفقدك توازنك في أي لحظة ويحصل ما لا تحمد عقباه .. خاصة مع وجود
مطلق السراح المذكور .. لا توجد تهوية أبدا في هذا المصعد ولم يصل له الهواء منذ
سنين .. يجب أن تضع في بالك أن المصعد قد يتوقف في أي لحظة .. أنا شخصيا توقف علي
ما مجموعه ربما سبع عشرة مرة وشكوت ذلك لفضيلة الرئيس وأوصاني بالصبر والاحتساب ..
المصعد يرتفع بتؤدة بالغة .. وعلى جدرانه ستشاهد آثار حريق وفي زواياه بقايا أتربة
.. وتأكد انك ستنعم بحوارات ظريفة أثناء مكثك فيه .. ومما شهدته مثلا أن يشتكي
مراجع من الـ" كتمة " فيجيبه كاتب الضبط على الفور : تذكر الكتمة الأخيرة في القبر
.. تتجه الأنظار غالبا لفضيلة القاضي بانتظار تعليق مؤثر . أكتفي عادة بالتزام
الصمت وربما ندت مني ابتسامة ساخرة .. لماذا لا يتم تذكر الكتمة الأخيرة في المكتب
الجديد لمعالي الرئيس مثلا !!
نسيت أن أقول لك : هناك أوراق علقت على جنبات
المصعد فيها آثار غريبة عن السلف تتحدث عن أهوال اليوم الآخر .. لست متأكدا تماما
من ثبوتها .. وأشياء أخرى لا أدري عن سبب وضعها هناك .. ثمة أشخاص ظريفون أيضا من
موظفي المحكمة يبقون يرددون التكبير كلما علا المصعد والتسبيح في النزول .. ودعاء
ركوب الدابة ..
وباستثناء ما حصل مرة لشخص مسن كاد أن يصاب
بالاختناق من توقف المصعد .. فإن الحوادث الأخرى تعد في حدود المعقول
!!
( 4 )
أيها القاضي المبارك : وإذا كان قدومك في شهر
شباط فقد تشاهد مناظر مشينة تمارسها القطط في المواقف السفلية .. أنصحك بغض البصر
وأؤكد لك : ستجد شيئا شبيها بذلك مما يمارسه الآدميون موثقا في الضبوط التي تنتظرك
.. وإذا قدمت بزمن آخر وفاتتك مرحلة التزاوج .. فستدرك حتما زمن التوالد .. وهو
غالبا ما يكون في الردهة المظلمة الواقعة إلى الأمام من المصعد قريبا من السلم
..
بعد ثلاث سنوات من الإقامة بالمحكمة .. أستطيع
الآن تحديد زمان توالد القطط بالضبط .. القضاة العتيقون بالمحكمة ـ صدقوني ـ
يستطيعون تمييز الذكور من الإناث !!
نما لعلمي أن معالي وزير العدل يؤثث له مكتبا
حديثا وقد رأيت من واجب الإكرام ـ إن تم له ذلك ـ وهو المسئول عن بنايات المحاكم أن
أرسل له بهدية قاضي جدة : كرتون قطط من إنتاج السنة ..
( 5 )
إذا قدر لك أن تختار مكتبا بالأدوار الدنيا
لتتخلص تماما من مشكلة هذا الذي يسمونه المصعد فحسن.. مع أن ثمة قاض بالدور الخامس
عندنا نقلوه أخيرا إلى الشرقية لازلت أراه يصر على استخدام السلالم ولا يقبل أبدا
أن يستخدم المصعد .. ويضحي بصحته ومفاصله جراء ذلك .. زميلي الآخر الذي بالدور
السادس وصلت به الأوضاع لحالة مرضية تسمى خشونة الركبة ـ لا أدري إن كانت ستشمل
بالتأمين الطبي المنتظر في اللائحة الوظيفية ـ وتأكد يا صاحب الفضيلة أنك باختيارك
الأدوار الدنيا ستتخلص من المصعد لكنك ستعاقر مشكلة جديدة مصدرها روائح الطعام ـ
البيض تحديدا ـ التي تنبعث من البوفيه الواقع أسفل منك .. حكى لي بعض الزملاء ولا
أصدق : أنه كان يملي على الكاتب فقد ثبت لدي إدانة المدعى عليه بحيازة أربعة أعشار
الجرام من ال ... ثم أدركته روائح الطعام فاستمر يملي : ..... من البيض المخدر
!!
( 6 )
يجب أن تتأكد من أوضاعك الصحية قبل اتخاذك
قرارا بالانضمام للمحكمة .. ذلك أنه لا يوجد ماء بخزانات المحكمة قبل العاشرة
والنصف وهو ما يحتم عليك أن تضبط أعصابك وألا تسرف في وجبة الإفطار .. وأن تخلي
نفسك من جميع الأهواء والرغبات في بيتك أو قبل وصولك للمحكمة .. وقد يحصل في أحيان
ليست بالكثيرة أن يواصل الماء تمنّعه لما بعد الظهر .. وهو ما يضطر جملة من أصحاب
الفضيلة قضاة المحكمة للاحتفاظ بـ " جركل ماء " في المختصر إلى جوار الثلاجة ..
وحين تقرأ يا صاحب الفضيلة بإحدى صحفنا التي تعج بالنفاق تصريحا لمعالي الوزير
الذكي حول الطاولات الذكية .. ستراودك ـ من بالغ الحنق ـ فكرة أن تحتفظ بتلك
القصاصة ـ بعد لفها بعناية ـ لاستخدام الفرض الفقهي المتعين حال تعذر الاستنجاء
!!
( 7 )
لقلة الخفراء ستجد أنك مضطر يا صاحب الفضيلة
لأن ترى جموع السجناء والسجينات في مشاهد لا إنسانية .. الاثنان منهم بقيد واحد
يصعدون من دور إلى دور .. وربما سبقت قدم أحدهما صاحبه فصرخا سوية صرخة ترتج لها
جنبات المحكمة .. وحين يردان مكتبك القضائي ستقوم بمحاكمة أحدهما في قضية لواط مثلا
في حين أن صاحبه المربوط معه ينتظر محاكمته على ترويج المخدرات عند مكتب آخر ..
وربما تدخّل في النقاش .. أو طلب منك مسامحة صاحبه.. في جملة أحوال تستدعي الضحك
والبكاء .. وتشك معها هل أنت بمحكمة أم مسرحية .. وسترى سيلا من المراجعين
والرائحين والغادين .. في محكمة لا يوجد بها بهو أبدا .. ولا متسع للراحة بين
المكاتب .. ولا مانع أن أخبرك أنني بقيت بمكتبي حين تعينت أسابيع .. تصلاني أشعة
الشمس ولا أستطيع معها تبين ملامح المراجعين .. حتى اضطررت لشراء ستائر للنوافذ من
حسابي الخاص وكتبت بكلفتها للوزارة العظيمة .. ولا زالت المعاملة دائرة منذ ثلاث
سنوات ولم يصلني بعد شيء ..
مصابيح الإضاءة أتناوب على إصلاحها أنا وموظفو
المكتب حينا بعد حين .. ولا يحق لنا أبدا أن نفكر بالمطالبة بقيمتها أو يرد ذلك لنا
على بال ..
( 8 )
ستكتشف أن في هذه المحكمة أشياخا فضلاء عددهم
لا يتجاوز السبعة عشر يقومون بالنظر في مشاكل مالا يقل عن ثلاثة ملايين نسمة من
السباب والشتائم وما أكثرها والمضاربات وحوادث السيارات وعصابات الإجرام والدعارة
والمخدرات والمسكرات وجرائم الحب وحقوق المؤجرين وهلم جرا .. ستجد والله عملا أشبه
بالمغامرات البوليسية والحكايات المنسية .. فادع لهم بالثبات وارج لهم عالي الأجور
..
وستكتشف في المحكمة أيضا رئيسا بحجم ثلاثمائة
رئيس .. دائم البسمة موفور الصفات .. وشيخا بحق في تمام التواضع وحسن القيادة
وإدارة المحكمة باقتدار .. شهادة أشهد له بها ولا أزكيه على الله ..
وستجد أيضا موظفين مرابطين .. قدر الله عليهم
وأصبحوا هناك .. ولا يزالون يعطون من صحتهم وأوقاتهم في خدمة المراجعين .. غفلت
عنهم العيون واستيقظت فيهم الضمائر .. أحسن الله إليهم وكتبهم في عباده المخلصين
..
وإن وصلت أيها المبارك إلى الدور الخامس مكتب
رقم ( 15 ) ووجدته مغلقا فاعلم أن صاحبه قد انتهى من سداد أقساطه لدى البنك .. فجدّ
به عزم الرحيل وأسلم أمره لله .. اقترب أكثر من باب المكتب .. ربما تتبين عبارات
عليه تقول : إذا وجدت الأبواب توصد في وجهك كل يوم .. وغلب ألم اليأس عندك أمل
الرجاء .. ورأيت من أحببت يوما قد أغلقت مفاتيح قلبها .. ورمتها في سراديب النسيان
..
فتأكد حينها : أن كرامتك أعز كثيرا من قلبك
الجريح !
وأخيرا .. فهذه كلمات عن محكمتنا بجدة بوابة
الحرمين .. وزملائنا بالمحكمة العامة وضعهم أكثر مأساة وأدعى للشفقة .. والعربات
تحمل الملفات بين المكاتب المتناثرة وكأنها شاليهات بحرية.. وهناك في تثليث مختصر
مجلس الحكم كان مطبخا بكل تفاصيل المطبخ .. وفي مكة البلد الحرام حكم قضائي من
ديوان المظالم بإخراج المحكمة الجزئية من مبناها المستأجر بسوق الحجاز .. وفي
الرياض العاصمة الحالمة فأر كبير يقضي نحبه بمجلس الحكم بالمحكمة الجزئية .. وتبقى
رائحة الجيفة لأسبوع كامل .. وفي كل وادي بنو سعد .. وفي كل بلدة حكاية من معاناة
لا يقوى على حكايتها الإعلام المتحيز .. ولا مسئولو القضاء الذين أشغلتهم حكاية
تأخر القضاة عن الدوام !! .. وثمّ نذارة بممارسات سوء عبر تدخل في الأحكام القضائية
لا يصدق .. يغص به حلقي ولا أستطيع معه الكلام .. ومع كل صورة ينقلها الإعلام
لابتسامة مسئول عدلي على مكتبه الفاخر سأتمنى لكم أيها القضاة الحالمون بالحرية كل
خير وسعادة .. وإخلاص .. ودمتم في رعاية الله.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق