الشيخ نايف القفاري الذي لم أعرفه…
بقلم القاضي/عبدالله بن حمود الريس
على
الرغم من انخراطي في السلك القضائي منذ ما ينيف على عقد من الزمان
إلا أن
علاقتي وصلاتي داخل الجهاز القضائي قليلة جداً بسبب
هدير
المعاملات
الذي لا ينقطع وصخب الخصوم الذي لا يهدأ
إلا أن
استقالة الشيخ نايف القفاري والهزات الارتدادية التي تبعتها
اضطرتني
لنبش كل علاقاتي ونفض الغبار عنها وإعادة توصيل ما تقطع منها!
ما الذي
حدث؟
قدم
الشيخ نايف استقالته كأي ضمير حي يستشعر المسؤولية ، ويحمل ثقلها , ويستثقل السكوت
على التفريط بالأمانة.
وذكر في
استقالته ما يعرفه ويتأذى منه كل القضاة الشرفاء في المملكة من ضعف أداء وزير العدل
، وتقهقر الخدمات العدلية ، والسعي الحثيث لتثبيت صورة ذهنية شنيعة عن قضاء
الشريعة ... الخ .
وقام
أحد الذين اطلعوا على الاستقالة في الجهات التي وصلتها الاستقالة ووضعها على بساط
المشرحة في مواقع التواصل الاجتماعي بعد مضي أكثر من شهر من تقديمها ثم طارت كل
مطار.
بحق لم
يكن لي بالشيخ نايف أي صلات ، فاستفزني السب المقذع من بعض
الأقلام
التي لا تخرج عن دائرة المتضرر من النقد ، ولم يدم ذلك طويلا
فسرعان
ما رن هاتفي الجوال مؤذناً بوصول عدد من رسائل الثناء والمدح على
الشيخ
نايف القفاري !
أي ربِ
ماذا أصدق ؟! فلئن صح ما قيل فيه من الثناء فليس من العقل أن أفوت
فرصة
التعرف عليه والاستفادة منه ، ولئن كانت الأولى فيا سعد نفسي إذ كنت
عنه
بعيداً نقرت هاتفي على عدد من أصحاب الفضيلة فتحصل مما أخبروني به: أن الشيخ نايف
من أفضل من ترى خلقاً وديانة وأمانة وهو من حفاظ كتاب الله ويحمل
سنداً
إلى النبي صلى الله عليه وسلم برواية حفص ، وهو من حفاظ الكتب الستة
في
السنة النبوية عن ظهر قلب ، وأما الفقه فهو يستظهر المذاهب الأربعة في
أكثر
مسائل الفقه ، حاصل على شهادة كلية الشريعة بتقدير ممتاز ، ثم على
الماجستير
من المعهد العالي للقضاء بتقدير ممتاز ثم على شهادة الدكتوراة التي أنجزها وقدمها
قبل ندبه للمحكمة العليا، وناقشها بعد بدء ندبه وذلك من المعهد العالي للقضاء بجامعة
الإمام بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف الأولى ، والتوصية بطباعتها وتداولها بين
الجامعات.
وله عدد
من البحوث والمؤلفات المتميزة تزيد على ثلاثين بحثاً ومؤلفا منها ما هو منشور على
مواقع وصفحات علمية على شبكة الانترنت ، وله شرح على شرح لمختصر أبي شجاع
"شرح لمتن فقهي على مذهب الإمام الشافعي" .
وهو
مقرر كمنهج في جامعات ومعاهد شرعية في خارج المملكة ، وله أيضا مختصر لكتاب
"الطرق الحكمية لابن القيم" وله مختصر لكتاب" نواقض الإيمان "
والشيخ
شهد له القاصي والداني بالصدق والإخلاص وسلامة الصدر ووضع له القبول بين عباده
المتقين.
وجميعنا
يذكر مقاله بشهر شعبان الماضي بشأن المعتقلين والقبول له والذي أراد به النصح
لولاة الأمر والعلماء والعامة ولذوي المعتقلين وعقلاء البلد بشفافية ووضوح
ليتصوروا حقيقة الموقف وألم الواقع ومدى الانفصام المُر في ذلك وناقل الكفر ليس
بكافر باتفاق, ولكون المقال لم يتضمن إلا نقل الواقع وتبصير الأمة بخطر واقعها لم
يهاتفه أو يخاطبه أي مسئول أمني أو قضائي أو غيرهما فضلاً أن يُطلب لتحقيق أو
إفادة أو استفسار من أحد وذلك حتى نُشرت استقالته سوى ما كان من عضو بهيئة حقوق
الإنسان اتصل به لتتبنى الهيئة بحث موضوع أخيه، وإنهاء تعليق ملفه. فرفض الشيخ
مطلقاً فليس المقال محصوراً على أخيه فما هو إلا رجل واحد من آلاف، والمقال يعنيهم
جميعاً وطالب الهيئة بتدخلٍ في الملف كاملاً ومن يزعم خلافه، فقل هاتوا برهانكم إن
كنتم صادقين.
والشيخ
عُرف بين أقرانه وأترابه بأنه ذا همة عالية للنهوض بالأمة ومستعد بالتضحية بالغالي
والنفيس لدينه ووطنه.
وخلال
عمله بالمحكمة العليا بذل وقته وجهده وعلمه وكان خلاصة ثمرة ذلك أكثر من مائتين
وخمسين مشروعا وورقة عمل وبحثا ودراسة قضائية وعلمية في أكثر من ستة ألاف ورقة
منفرداً بها أو مشتركاً مع غيره ومنها دراسات معتدلة لقضايا أمنية خطيرة نالت
استحسان أعضاء المحكمة العليا, وقد زود المجلس الأعلى للقضاء ممثلاً بالأمانة
والتفتيش الدوري بنسخة ورقية من جميع ذلك، واستحق على أعماله السنوية درجة التميز
وبتفوق لدى جميع المفتشين الدوريين الذين كلفوا بالتفتيش عليه أثناء عمله الرائع
بالمحكمة العليا، بل ونقل مشكوراً إشادتهم في أكثر من مجلس معالي رئيس التفتيش
القضائي وعضو المجلس, وهذا التميز العلمي والقضائي جعل من معالي رئيس المحكمة
العليا سابقاً وعضو هيئة كبار العلماء حالياً وصاحب الرؤى الإستراتيجية القضائية
العميقة والقامة القضائية الفريدة معالي الشيخ /عبدالرحمن الكلية أن ينصبه نائبا
لإدارة الدراسات والبحوث ولأمانة الهيئة العامة مع صغر سنه.
ولذا
فعندما رأى الشيخ نايف مسار عبث وزير العدل بالجهاز القضائي وفساده الإداري
والمالي والقضائي في تزايد, عزم على الاستقالة براءة لذمته قبل رمضان الماضي,
ومانعه جميع من استشار في ترجله عن القضاء لما عرفوا عنه من التميز, وقد كتبها
منتصف شهر صفر ووجهها لمقام خادم الحرمين الشريفين ونسخة منها لسمو ولي عهده وسمو
نائبه الثاني وسماحة المفتي والمجلس بهدوء وسرية تامة يبتغي بذلك وجه الله تعالى.
وصدرت من مرجعه بعد أكثر من شهر تقريباً, ولا يتحمل الشيخ وزر نشرها وإنما يتحمل
ذلك من سربها وجهّز عليها عدة ردود مفتريات لأسماء وهمية غير حقيقية ليتمكن من
تكذيبها والقدح فيها والتخفيف من آثارها لدى المسئولين . وقد تفاجئ بالقبول لها
وتناقلها وتأييدها بين مختلف الشرائح والفئات في المجتمع ونالت أقوى هشتاق في
تويتر وما ذاك إلا لكونها التعبير الصادق عما في ضمائرهم ولسان صدق بضرورة إعفاء
رأس الفساد الإداري في الجهاز القضائي محمد العيسى تأكيدا لطلب بيان العلماء وطلبة
العلم الخمسة والخمسين المتداول قبل مدة وجيزة.
ولم تكن
استقالة الشيخ نايف القفاري هي الأولى ولن تكون الأخيرة فقد أعقبه الشيخ وحيد
العبدالقادر في تقديم استقالته، وتتوالى الاستقالات من أعضاء السلك القضائي ولازال
معالى وزير العدل في سباته العميق وانشغاله بقضايا هامشية تاركاً صلب العمل
المؤسسي وهو العنصر البشري الكفء، إلا إن كان معاليه مخططاً لهذه الاستقالات
وطالباً لها لتفريغ القضاء الشرعي من قضاته الشرعيين الأكفاء ليملئه بمن يشاء!!
لقد طفح
الكيل بالقضاة، وبلغ السيل الزبى ونضبت طاقة الإحتساب من قلوبهم، ولم يعُد في هذا
الجهاز ما يُغري بالبقاء فيه سوى احتساب الأجر العظيم في تطبيق شرع الله تعالى
وإحيائه بين العباد حفظاً لحقوقهم، وتطهيراً لذنوبهم، وتيسيراً لتعاملاتهم
وعلاقاتهم، إلا أن ممارسات الوزير غير المسئولة وانشغاله بمعاركه التافهة تاركاً تطوير
القضاء وتسهيل إجراءاته وأساليب التقاضي لعموم الناس، يزيد من العبء على كاهل
القضاة ويرسم في أذهان الناس صورة سلبية عن القضاء الشرعي، وهذا تماماً ما حصل
إبان إلغاء المحاكم الشرعية في مصر!!! إن طريق الإصلاح واضح المعالم وبيّن الجنبات
لن يخطئه إلا أعمى أو مغرض يهدف لتشويه القضاء الشرعي تمهيداً لاستبداله بغيره من
الكفر الصُراح كما حصل في بلدانٍ مجاورة… وهنا أعلنها وبشكل واضح وصريح إن معاليه
أولى بالإستقالة من غيره لتكفير خطاياه وتجاوزاته التي أساء بها لنفسه وأسرته
العريقة ولمكانة القضاء الشرعي…
أما بعد
: فقد استبان الصبح لكل ذي عينين!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق