لماذا أُنهيت خدمة رئيس المحكمة العليا وعُزل وقضاتها…؟؟؟

بقلم الشيخ / عبدالله التميمي



بعد أحداث "قبة الجزيرة" وما حصل فيها من تصرفات وتصريحات غير لائقة بمسؤول في الدولة
ومن يمثل هرم الجهاز العدلي ووزارته، بل ممن هو عضو بهيئة كبار العلماء والذي يفترض فيه مزيداً من الاتزان والرزانة قبل إصدار مثل تلك التصريحات،والتي كوّنت سخطاً عاماً في أوساط القضاة إضافة إلى السخط السابق عليه بين أفراد المجتمع بعامة وعلمائه وطلبة العلم فيه بخاصة بسبب الفتوى المارقة عن إجماعات أهل العلم وقبل ذلك نصوص الوحيين والمشهورة بــ"فتوى الاختلاط"…



فبعد تلك التصريحات المسيئة للدولة في الداخل والخارج والتي اهتزت لها أعلى مستويات القيادة في البلد، وشمل الانزعاج والسخط القيادات القضائية بما فيها المحكمة العليا وقضاتها، مما أوجب عليهم مسؤولية كبيرة تجاه تلك التصريحات والخروقات الماسة لهيبة القضاء والقضاة، فقام معالي رئيس المحكمة العليا وقضاتها بأعمال متعددة ومتنوعة وعلى كافة الأصعدة لبيان خطورة هذه التصرفات والتصريحات لولاة الأمر، بالطرق المتزنة الهادئة…

وقد حرص معالي رئيس المحكمة العليا وقضاتها على ردم الهوه التي حفرها معالي الوزير في جدار القضاء،ومحاولته خرق استقلاله وهدم صروحه، كما حاول خلق حالة من التوازن في المجلس الأعلى للقضاء مع وجود معاليه رئيساً بالتكليف.

إلا أن معاليه لم ترق له هذه التوازنات واعتبرها انحرافاً عن خطه الذي رُسم له، فأثبت في قلبه نكتة سوداء تجاه معالي رئيس المحكمة العليا وقضاتها…وهي عادته في تحويل كل شيء إلى مناكفات ومخاصمات شخصية، لأن الجميع-حسب رأيه- يجب أن يدور في فلكه وأن ينجذب لنجمه وشمسه، فمن أراد الاستمرار في المحكمة العليا فعليه بالتزلف لمعاليه وتقديم قرابين الطاعة والولاء المطلقة…فلو أنتنت الدماء فلا تبديل ولا تغيير…فالدماء الآن ليست بحاجة للتغيير!!!



لهذا جاءت الأوامر الملكية الأخيرة…لسواد عيون معاليه…وإرضاءً لغروره وشخصه، وإن جرّت من الويلات على القضاء، وإن صدعت هذه الأوامر شروخاً عميقة في جدار استقلال القضاء، وإن ضعفت مكانة القضاء، وإن لم يثق الناس في القضاء وأحكامه…كل هذا لا يهم …المهم أن تقر عين معاليه…في التشفي ممن خالفوه ونقلوا لولاة الأمر الصورة الحقيقة والمأساة التي تعيشها وزارة العدل من سنوات ثم جره لهذه التعاسة للمجلس الأعلى للقضاء.



لقد نصت المادة الثانية من نظام القضاء "القضاة غير قابلين للعزل إلا في الحالات المبينة في هذا النظام"

وفي المادة السادسة والأربعين "فيما عدا الملازم القضائي ومن يعين ابتداء تحت التجربة، لا يعزل عضو السلك القضائي إلا بناء على الأسباب المنصوص عليها في الفقرات(و،ز،ح) من المادة التاسعة والستين من هذا النظام ووفقاً للإجراءات الواردة فيه"



الآن… أرجوا منك أيها القارئ أن تستعد لترى الفاجعة الباقعة وأقرأ ما في هذه الفقرات…

جاء في المادة التاسعة والستين " تنهى خدمة عضو السلك القضائي بأحد الأسباب الآتية: (فذكر جملة أسباب حتى وصل لمرادنا) و-عجزه عن مباشرة عمله بعد انقضاء الإجازة المرضية أو أن يظهر في أي وقت أنه لا يستطيع لمرضه القيام بوظيفته على الوجه اللائق. ز- حصوله على تقدير أقل من المتوسط في تقرير الكفاية ثلاث مرات متتالية. ح- إنهاء خدمته لأسباب تأديبية"



كل هذه الأسباب لا وجود لها في أي عضو من أعضاء المحكمة العليا!!

وما حصل من تغطية سوءة ما جرى من العزل بتكليف بعض من عُزلوا في وظائف أخرى…فهذا كذلك مخالف للنظام فقد نصت المادة الثالثة " مع عدم الإخلال بحكم المادة التاسعة والأربعين من هذا النظام لا ينقل القضاة إلي وظائف أخرى إلا برضاهم أو بسبب ترقياتهم…إلخ"

ونحن نعلم يقيناً أن جميعهم لم يعلم بالعزل إلا بعد الساعة الواحدة ظهراً من يوم الثلاثاء من رسائل واتصالات من يشاهدون التلفاز حينها، بل تواتر الخبر أن الرئيس المُعيّن حالياً وهو معالي الشيخ غيهب الغيهب -وهو قامة قضائية فريدة- لم يشاور ولم يعلم بتعيينه إلا قبل ساعة من إعلان التعيين…فأين الرضا؟؟

إلا إن كان على قول العامة : اضربه بالموت ليرضى بالسخونة…!!!



وإن من افتراءات معاليه-وإن كانت من وراء حجاب- اتهامه لمعالي رئيس المحكمة العليا وقضاتها بعدم إنجاز ما يتعلق بالمبادئ القضائية، وليكون القارئ والمهتم على اطلاع فإن لدى المحكمة العليا العديد من الأبحاث والدراسات لمبادئ جاهزة للطرح على الهيئة العامة وإعلان المبادئ من خلالها…وقد استغرقت سنوات من الإعداد والدراسة والتقويم، وبقي إشكال إجرائي في آلية صدور هذه المبادئ وهل يمكن إصدارها قبل صدور نظامي المرافعات والإجراءات الجزائية- والتي نسيها الجميع- والتي كان من أسباب تأخيرها معاليه!!

فقد نصت الفقرة الثانية من(ثانياً) من آلية تنفيذ نظام القضاء ونظام ديوان المظالم" تتولى المحكمة العليا بعد تسمية أعضائها اختصاصات الهيئة الدائمة في مجلس القضاء الأعلى، وذلك إلى حين تعديل نظام المرافعات الشرعية ونظام الإجراءات الجزائية). وليس من اختصاصات الهيئة الدائمة في مجلس القضاء الأعلى السابق إصدار المبادئ كما هو معلوم.لذا استفسرت المحكمة العليا عن الاختصاص،فجاء الرد من الديوان الملكي قبل ثلاثة أشهر من عزلهم!! ثم أقبلت إجازة الحج ثم انعقد مؤتمر المحاكم العليا في الدول العربية والمقام في السودان، والتي وجهت دعوة رسمية لمعالي رئيس المحكمة العليا وبعض قضاتها للمشاركة، بالإضافة لتمتع بعض قضاة المحكمة العليا بإجازاتهم بل صدر أمر العزل وبعض قضاة المحكمة العليا يتمتع بإجازته الرسمية!!!!



فأين يا ترى سيذهب جهد أربع سنين، وهل سيعتمد قضاة المحكمة الجدد تلك الدراسات والأبحاث التي استغرقت الجهد والوقت والمال؟؟ أم سيعيدون النظر فيها؟؟ وكم من الوقت والجهد والمال سينفقون؟؟ ومن المسؤول عن هذا الهدر في الجهد والوقت والمال؟؟؟



فحتى الأمر الملكي لم يترك للقضاة السابقين في المحكمة العليا وقتاً مناسباً لإكمال أعمالهم وقضاياهم العالقة، ولا حتى البت في تلك المبادئ القضائية التي لم يبق لها سوى الإعلان. بل ماذا عن قضايا هي محل الدراسة والبحث، وبعضها لم يبق فيها سوى اطلاع عضو واحد فقط لإصدار القرار؟؟ ما ذنب أصحاب القضايا من السجناء وغيرهم؟؟؟

حين ينقل القاضي في المحاكم الابتدائية من محكمة لأخرى فإنه يمكث فترة تقرب من الأربعة أشهر لإنهاء القضايا الجاهزة للحكم، ولإنهاء ما تبقى من عمل إداري…فما بال قضاة المحكمة العليا!!!!

كل هذا لتعلم أن المقصود هو إرضاء غرور شخص، ودعماً لتوجهٍ هو تابع فيه ومنفذ ليس إلا…

ج

وأقبح من هذا الافتراء…دعوى تغيير الدماء، وكأن الدماء يجب أن تتغير إلا دم معاليه، فدمه من الدماء التي لا تهرم ولا تفقد جذوتها وقوتها…هذا مع أن الفرية تنم عن جهل باقع في أساسيات القضاء وأصوله في الاستقلال والحياد، فأي استقلال سيبقى لقاضٍ أياً كان إذا كان يعلم أنه على كف عفريت-كما يقال- فإن حابا وتزلف فالتمديد مصيره وجائزته، وإن خالف واعترض وطرح رأيه بجرأة ووضوح فالعزل منتهاه والإقصاء علاجه. وأي ثقة ستبقى في أحكامه إن علم الناس أن سيف العزل مصلت على رقبته، وأي طريق سيُجعل لأهل الفساد لسلوكه وعبوره، فإما أن يحكم القاضي بما يراه الفاسد وإلا فلينتظر عزله في الجلسة القادمة.



لست هنا بحاجة للثناء على معالي رئيس المحكمة العليا ولا قضاتها فأعمالهم السابقة تشهد لكل واحد منهم وما قدمه.



لقد بلغ التردي في الحالة القضائية في البلد مع تولي معاليه لوزارة العدل ثم تكليفه بالمجلس، أن جعل ولي العهد بنفسه يدعم وبقوة أمر تغييره وبلغ اليقين لدي سموه أن الفساد ينبع من بين يدي معاليه، ولا سبيل للإصلاح إلا بقلع النبتة الفاسدة…وهذا التوجه السامي من شخصية بصيرة حازمة سيكون له الأثر الطيب على القضاء والقضاة وتصحيح المسار بإذن الله تعالى.



هذا توضيح مختصر وإجابة مقتضبة لهذا السؤال: لماذا أُنهيت خدمة رئيس المحكمة العليا وعُزل قضاتها؟



باختصار: لسواد عيون معاليه…!!!!!



7/3/1434هـ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق