حول منع القضاة من المشاركة في وسائل الإعلام

مراقب للشأن القضائي

اطلعت على نسخة الأمر الصادر من خادم الحرمين الشريفين وفقه الله و الذي تناقلته وسائط التواصل الحديثة 
المبني على برقية سمو ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية المشار فيها لاتجاه عدد غير قليل من القضاة للمشاركة في الشأن العام عبر منابر الإعلام المختلفة بصفتهم القضائية ,و ما أوضحه سموه من أن ظهورهم في وسائل الإعلام بمثل تلك الصورة له تأثيرات سلبية ,و رأى سموه التأكيد على القضاة بتجنب مثل تلك المشاركات في وسائل الإعلام المقروءة و المسموعة و المرئية باعتبار أن الأمر مخالف لطبيعة عملهم و ذلك صيانة للقضاء و سلطته المستقلة من الاستغلال و حماية لهم من الامتهان .و قد تضمن الأمر الكريم الموافقة على ذلك .

و الذي حملني على التعليق عليه أمران : الأول ما علمته من امتناع عدد من القضاة عن أي مشاركة إعلامية و لو لم تكن في الشأن العام أو بغير صفتهم القضائية و إقدام بعضهم على تجميد حساباتهم في شبكات التواصل الاجتماعي .ثانياً : الحملة الإعلامية المكثفة لمعالي وزير العدل المكلف برئاسة المجلس الأعلى للقضاء في عدد من الصحف الورقية التي تناولت قرار المنع بطريقة مغلوطة كما في صحيفة الرياض يوم الجمعة 28/5/1433هـ و الجزيرة يومي السبت و الأحد 29/5 – 1/6 1433هـ و المشار فيها لإصدار المجلس الأعلى للقضاء قرارا يتضمن التأكيد على كافة القضاة بوجوب الالتزام بما قضت الأوامر الكريمة من عدم مشاركة  القضاة في وسائل الإعلام كافة – بهذا الإطلاق - .

و سأرجئ الحديث عما تضمنته التقارير و اللقاءات الصحفية مع معاليه من تزييف متعمد للحقائق و محاولة للتلميع لا تنطلي على أدنى متابع للشأن العدلي و من نبرة التهديد و الاتهام غير المسبوقة بحق السادة القضاة في لغة أقل ما يقال بشأنها أنها تفتقد لمبادئ اللباقة - سأرجئ الحديث عن هذا كله لمقالات قادمة بإذن الله - لأتناول صلب الموضوع من خلال التعليقات الآتية :

أولاً : لا نشك أبداً في حرص قيادة هذه البلاد المباركة - ممثلة في خادم الحرمين الشريفين و ولي عهده وفقهم الله - على كل ما يحقق المصلحة العامة و اهتمامهم الخاص بمرفق القضاء و تعزيز هيبته و استقلاله , و ما عهد عنهم إلا كل تقدير و احترام للسادة القضاة .

ثانياً : كما ينبغي أن لا يشكك أحد في ولاء قضاة هذه البلاد لقيادتهم الرشيدة و أخذهم بمبدأ الطاعة المسؤولة لولاة الأمر و أن محاولة إظهارهم أو بعضهم بمظهر المتمرد أو المخالف للأوامر ما هو إلا محاولة يائسة لتبرير فرض الهيمنة عليهم و وسيلة مكشوفة لتغطية ما كشف من أخطاء فادحة للقيادة العدلية الجديدة . 

ثالثاً : من المتقرر عند العقلاء أن لمهنة القضاء مكانتها و خطورتها المستمدة من عظم المسؤولية المناطة بالقاضي و أنه يجب أن يكون مثالا للاتزان و التؤدة و المحافظة على الحياد و ضبط السلوك و لهذا استقرت أعراف كافة الأمم و الشعوب على وجوب تحلي القضاة بقدر زائد عن بقية المجتمع في التحفظ  و ضبط السلوك بما يضمن المحافظة على حيادهم و استقلالهم و هيبتهم و يحقق ثقة و احترام المجتمع لهم و للمؤسسة التي ينتمون إليها.

رابعاً : ما ذكر أعلاه لا يمنع القاضي من أن يتمتع بالحقوق الأساسية التي يتمتع بها غيره من المواطنين و خاصة حقه في التعبير عن رأيه كإنسان عادي  بكافة وسائل التعبير بما لا يخل بمكانته أو استقلاله أو حياده و ما يرد على هذا الأصل من استثناء بموجب نص شرعي أو نظامي لا ينبغي القياس عليه أو التوسع فيه .

خامساً : بتتبعي لمدونات السلوك القضائي العربية - التي تصدر من المجالس القضائية و تتناول أبرز القيم و السلوكيات التي ينبغي أن يتحلى بها عضو السلك القضائي - لم أجد في أي منها نصاً يمنع القاضي من المشاركة في وسائل الإعلام بالإطلاق الذي جاء في التصرحات الصحفية المنسوبة لرئيس المجلس المكلف , بل إن عدداً من هذه المدونات تضمن النص على أن للقاضي أن يعرب عن رأيه بوسائل التعبير كافة شريطة ألا يتجاوز حدود القانون , كما أتيح لي الاطلاع على ترجمات لمدونات السلوك القضائي في عدد من الدول الغربية فلم أجد ما يمنع القضاة من المشاركة في وسائل الإعلام بالإطلاق المذكور في التصريح المنسوب للمجلس ,  بل نص بعضها على حق القاضي في حرية التحدث لوسائل الإعلام و تبادل الرأي في وسائل الإعلام المختلفة كما تضمنت أن استخدام الشبكات الاجتماعية شأن شخصي مع حثها على توخي الحذر و وضع قيود بسيطة جدا ترجع لما ذكرناه في الفقرة الثالثة.

سادساً : الأصل فيمن يختار للقضاء - خاصة في هذا البلد الذي يختار قضاته وفق آلية دقيقة تعتمد الترشيح لا المسابقة - أن يكون على قدر من الأهلية و الكفاءة و الشعور بالمسؤولية التي تحمله و بدافع ذاتي للتحقق بما ذكر , و مضى العمل على أن من يثبت تجاوزه – وهذا نادر - ينبه بخصوصية تامة فيستجيب بهدوء و كان نهجاً متبعاً ثبتت جدواه لعقود طويلة مضت حفظت الاستقلال و الاحترام للقضاء و القضاة .

سابعاً : من خصوصية هذا البلد أن السادة القضاة جزء أصيل من المؤسسة الشرعية التي يناط بها مهمة تعليم الناس و إرشادهم و إفتائهم , و للقضاة عبر تاريخهم الطويل حضور لابأس به في وسائل الإعلام المختلفة و يحظون - بحكم تأهيلهم و خبرتهم العملية – باحترام و ثقة كثير من الناس و في منعهم من التواصل مع المجتمع عبر وسائل الإعلام المختلفة حرمان للناس من خير كثير من جهة, إضافة لما يشي به المنع المطلق من  التشكيك في أهليتهم و حكمتهم في التعاطي الإعلامي.

ثامناً : بتمعن الأمر الصادر عن خادم الحرمين – بالمناسبة الأمر صادر بصفته رئيس مجلس الوزراء فلا يعد أمرا أو مرسوماً ملكيا بالاصطلاح القانوني - يتضح أن محل الملاحظة هو اتجاه بعض القضاة (للمشاركة في الشأن العام عبر منابر الإعلام المختلفة بصفتهم القضائية و أن ظهورهم بمثل تلك الصورة له تأثيرات سلبية ) و تضمن الرأي ( بتجنب مثل تلك المشاركات في وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة و المرئية باعتبار أن الأمر مخالف لطبيعة عملهم و وظيفتهم ).و عليه فإن المنع مقتصر على المشاركات التي تجتمع فيها الشروط الآتية :
1-   أن تكون بالصفة القضائية .
2-   أن تكون في الشأن العام .
3-   أن تكون عبر وسيلة إعلامية .
و عليه فإن أي تعبير للرأي لا يستجمع هذه الشرائط فهو باق على أصل الإباحة مع ضرورة مراعاة ما جاء في الفقرة الثالثة .

تاسعاً : يثور تساؤل حول المقصود بمصطلح الشأن العام الوارد في الأمر الكريم إذ فيه شيء من الغموض المحتاج للبيان , و في ضوء ما تضمنه الأمر الكريم من أن علة المنع هي صيانة استقلال القضاء و حماية القضاة من الامتهان و بالرجوع لما جرى العرف المحلي و الدولي على منع القضاة من تناوله بصفتهم القضائية مما يمس مصالح عموم الناس و يعد الخوض فيه مساس بالاستقلال و تعريض للامتهان يمكن أن يقال إن المراد بهذه العبارة هي القضايا ذات الصبغة السياسية أو قضايا الخلافات الفكرية التي تتنازعها رؤى مختلفة داخل المجتمع و التي لا ينبغي للقاضي الخوض فيها بالوصف المذكور حفاظا على حياده و استقلاله و هيبته .
عاشراً : كما يثور تساؤل هل يشمل المنع المشاركة في شبكات التواصل الاجتماعي كالفيسبوك و تويتر و نحوها ؟

من الناحية القانونية هي لا تدخل في مشمول المنع ابتداء لأنها ليست وسيلة إعلامية بالمعنى المعروف لوسائل الإعلام بل هي أداة للتواصل الاجتماعي بين الأفراد يشارك فيها الأشخاص بصفتهم الشخصية و لا شك أن مفهوم التواصل أوسع من مفهوم الإعلام . و لهذا فهي لا تخضع للقيود التي تخضع لها وسائل الإعلام التقليدية كالصحف و الإذاعات و القنوات الفضائية من حيث إجراءات الترخيص و الرسوم و نحوها بل و لا تخضع لما تخضع له بعض وسائل الإعلام الجديد من قيود تضمنتها لائحة النشر الإلكتروني . مع تأكيد التنبيه لضرورة مراعاة السادة القضاة لما جاء في الفقرة الثالثة من التعليقات .
أخيراً : أخذاً بمبدأ فصل السلطات فإن المجالس العليا للقضاء – العام و الإداري - هي الجهة المناط بها النظر في شؤون  القضاة و الإشراف عليهم بما يضمن استقلالهم وفقاً للمادة السادسة من نظام القضاء ووددت لو أن أساس الموضوع أثير ابتداء من قبل السلطة القضائية - لو كان ثمة ما يستدعيه- خاصة و أن المبرر كان حماية استقلال القضاء و حماية سلطته من الامتهان .
أسأل الله أن يرينا الحق و يوفقنا لاتباعه و أن يحفظنا و ولاة أمرنا و بلادنا من كل مكروه .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق