عندما يصبح وزير العدل هو الوطن !!


الساحة القضائية هذه الأيام تشهد حراكاً من القضاة للمطالبة بإصلاح القضاء وتطويره, وإبعاد من تسبب في تأخير تطوير مرفق القضاء, وكان آخر هذا الحراك
الخطاب الجميل الذي كتبه مائتا قاض وجهوه إلى خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله يشكون فيه ما يعانيه جهاز القضاء من خلل في إدارته أدى إلى تأخر التطوير والبطئ في تنفيذ مشروع الملك لتطوير مرفق القضاء ويطالبون بتولية القوي الأمين إدارة القضاء ليقوم على تطويره وفق رؤية خادم الحرمين الشريفين لهذا المرفق ، ويقابل هذا الحراك حراك مضاد ( مزعوم ) من ثلاثمائة قاض كتبوا خطاباً مضاداً يثنون فيه على الإدارة العدلية ويعزون لها الإنجازات التي لم يشهد لها التاريخ مثيلاً !!  وبغض النظر عما إذا كان هذا الخطاب صحيحاً أو مختلقاً فإن وجود حراك وحراك مضاد قد يكون أمراً مقبولاً نوعاً ما في ظل تفاوت رغبات الناس ونظرتهم إلى ما يعتبر تطويراً وما لا يعتبر كذلك ، أقول إلى حدٍ ما قد يقبل مثل هذا الاختلاف ويبرر لكن ما لا يمكن قبوله ولا تبريره, وما يُعد تجاوزاً لكل القيم والأعراف بل والأخلاق ، اللغة واللهجة التي صيغت بها الحملة الصحفية المضادة لخطاب المئتي قاض التي يقودها وزير العدل على صدر صفحات الصحف ومعرفات تويتر ، حتى ليخيل لمن يقرأها أن هؤلاء القضاة لم يرفعوا خطابهم لخادم الحرمين الشريفين الذي هو مرجع جميع السلطات حسب النظام الأساسي للحكم وإنما رفعوه لمنظمات حقوق الإنسان العالمية أو لاستخبارات أجنبية!!
فأنت - على سبيل المثال -  تقرأ في خطاب القضاة المضاد أو ما يسمى خطاب الثلاثمئة المزعوم والذي نشره أحد معرفات تويتر المعروف تبعيتها لوزير عدل ما !!  تقرأ فيه تخوين هؤلاء القضاة ورميهم بأبشع الأوصاف والتهم بل واتهامهم في وطنيتهم وأمانتهم وأنهم يعملون وفق أجندات !!
يا لله ! وعجباً والله !!!
ما هذا ؟؟! هل أصبحت مخاطبة المواطنين لمليكهم ورفع تظلماتهم إليه وشكايتهم لبعض نوابه - بغض النظر عن كونها صحيحة أم لا - هل أصبح ذلك خيانة للوطن وجريمة لا تغتفر ؟؟ ألهذه الدرجة أصبح ملك البلاد وقائده في نظر هؤلاء أجنبياً عن شعبه حتى صار من يخاطبه ويشتكي له منهم هو كمن يتخابر مع جهات أجنبية وهو خائن لوطنه ومتآمر على مكتسباته ؟؟! مالك كيف تحكم أيها الوزير ؟!!

إن هذا الخطاب المضاد المنسوب ظلما وزورا لثلاثمئة قاض يشهد العارفون أنه مصنوع موضوع على لسانهم فنحن نعرف قضاتنا ونعرف ديانتهم فلا يمكن أن يصدر منهم هذا الجور والظلم وهم من يحكم بالشرع والعدل ، فهذا الخطاب إنما خطته نفس مريضة بداء العظمة حتى أنها تعاظمت عند نفسها فظنت نفسها الوطن ، بل هناك شكوك لدى بعض القضاة لو صح هذا الخطاب أن معاليه استغل منصبه وكون ملفات جميع القضاة الوظيفية تحت يديه فقام بإدراج اسمائهم وصور هوياتهم دون علمهم في خطابه المختلق الموضوع لأجل نشره في مواقع التواصل الاجتماعي عبر معرفاته الوهمية التي يعرفها الجميع ! فإن صح ذلك فنحن أمام مرحلة متقدمه من المرض ، وأمام أزمة ثقة حقيقية لايجوز السكوت عليها .  
أما الصحف وما أدراك ما الصحف ؟! تحركت أقلام بعض الصحفيين من زوّار مكتب معاليه ومرافقيه في جولاته السياحية لأوربا وأمريكا لإيضاح عدالة المملكة وتطورها القضائي ، تحركت هذه الأقلام بالتخوين وكيل التهم للقضاة المئتين كاتبي الخطاب بعبارات لم تجر العادة أن تصدّر بها صفحات الصحف وتعرّض فيها العناوين إلا عند بيان تصرفات الإرهابيين الذين خانوا دينهم ووطنهم وتآمروا مع المارقين في الخارج لتقويض أمن الوطن ومكتسباته ، ولكن هذه المرة المخوّن هم القضاة والخيانة مخاطبة الملك وقد وقعت على الوطن الجديد " وزير العدل " . نعم والله إن القارئ لهذه الحملة الإعلامية المضادة لخطاب القضاة المئتين ليظن أنه أمام مجموعة من المارقين الذين تواصلوا مع جهات أجنبية بقصد الإساءة لوطنهم وولاة أمرهم ، بل بلغت الوقاحة بأحد رفقاء وزير العدل أن يقول في حسابه على تويتر إن هؤلاء القضاة هم " أيتام المخلوع " ويقصد بالمخلوع الشيخ صالح اللحيدان رئيس مجلس القضاء الأعلى السابق ، إي والله !! هذه عبارته بحروفها  " المخلوع " ولا يزال  فضيلته يُقدَّم ومحل جلوسه بجانب الملك !!! عجباً هل أصبح في وطننا مخلوع  ؟!! حتى ليخيل إليك وأنت تقرأ مثل هذا الهراء أنه يتكلم عما يجري في مصر التي تعيش اضطرابات سياسية بسبب خلع رئيسها !! ويقول أيضاً على حسابه إن هؤلاء القضاة يريدون إعادة دولتهم التي كانت في وقت اللحيدان والتي كانت تمثل دولة داخل الدولة ! يا لله ما أوقحهم !!
هل أصبح الوطن الفسيح الذي يسع الجميع هل أصبح بهذا الصغر وحتى اختزله محمد العيسى ورفاقه في شخص معاليه ؟! بحيث جعلوا من ينتقد العيسى فهو خائن لوطنه ساع في تقويض منجزاته ومقاوم لنجاحاته ؟؟

يا سادة يا كرام إن الداء قد استفحل والمريض قد يُئس من شفائه .
وكنا بالأمس نقول مع القضاة " أنقذوا القضاء "
ونحن اليوم نقول مع الشعب كله " أنقذوا الوطن ممن اختزل الوطن في شخصه "

مؤيد القاضي
مهتم بالشأن القضائي
ومحب لوطن

هناك تعليق واحد: